شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

جوليو ريجيني.. محطات القضية والتصعيد الإيطالي المحتمل

جوليو ريجيني.. محطات القضية والتصعيد الإيطالي المحتمل
جوليو ريجيني، الباحث الإيطالي الذي قادته دراسته للدكتوراه في مصر إلى الموت، وسط غموض تشوبه الشكوك حول ضلوع النظام المصري في مقتله. في حالة درامية لم يشهد التاريخ لها مثيلًا إلا في ظل تلك الأنظمة التي تعادي العلم

جوليو ريجيني، الباحث الإيطالي الذي قادته دراسته للدكتوراه في مصر إلى الموت، وسط غموض تشوبه الشكوك حول ضلوع النظام المصري في مقتله؛ في حالة درامية لم يشهد التاريخ لها مثيلاً إلا في ظل تلك الأنظمة التي تعادي العلم والبحث والحقيقة معًا.

منذ ظهورها على سطح الاهتمامات بين الجانبين المصري والإيطالي مرّت قضية الباحث جوليو ريجيني بمحطات عديدة حتى وصلت إلى مطاف تهديدي يتوقع المراقبون من خلاله تصعيدًا إيطاليًا مرتقبًا ضد السلطات في مصر.

ويسلط هذا التقرير الضوء على هذه المحطات وأسباب احتمالية التصعيد الإيطالي المرتقب. وفيما يلي أبرز مراحل القضية:

رحلة الموت

توجّه ريجيني في سبتمبر 2015م إلى مصر لجمع معلومات تتعلق ببحثه لنيل شهادة الدكتوراه من جامعة كامبريدج البريطانية حول “دور النقابات العمالية المستقلة بعد ثورة 25 يناير” 2011، وبدأ يُجري مقابلات مع نشطاء عماليين مصريين ومستقلين وشخصيات قريبة من المعارضة.

غير أن الطالب الإيطالي اختفى يوم 25 يناير 2016 بعد أن غادر مقر إقامته في حي الدقي بالجيزة (شمال) للقاء صديق في منطقة وسط القاهرة، وصادف يوم اختفائه الذكرى الخامسة لثورة 25 يناير التي أطاحت بنظام حسني مبارك.

وعُثِر على جثة ريجيني يوم 3 فبراير/ شباط 2016م ملقاة على جانب طريق “القاهرة-الإسكندرية” الصحراوي، وقد بدت على الجثة آثار تعذيب وحروق؛ وتوصلت تقارير الطب الشرعي إلى أنه قُتل متأثرًا بتعذيب شديد استمر لأيام.

ووصل أول وفد أمني إيطالي يوم 5 فبراير 2016 إلى القاهرة لمتابعة التحقيقات الجارية في قضية ريجيني، ثم نقل الجثمان يوم 6 فبراير 2016 إلى إيطاليا.

وتوالت الأحداث بإعلان وزير الخارجية والتعاون الإيطالي باولو جينتيلوني أن بلاده لن تقبل من القاهرة “بمزاعم لا أساس لها” في تحقيقات قضية ريجيني. ووقتها قال السفير الإيطالي (السابق) لدى القاهرة ماوريتسيو ماساري إن “ريجيني تعرض إلى التعذيب قبل وفاته”، وهو ما نفته مصر.

ويوم 10 مارس 2016 أصدر البرلمان الأوروبي قرارًا يدين تعذيب ريجيني وقتله والانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان في مصر، وطالب السلطات المصرية بالتعاون في التحقيق في مقتله، فيما وصفت القاهرة ذلك بـ”الإيحاءات المرفوضة”.

وعقدَ المدعي العام بإيطاليا جوزيبي بنياتوني يوم 14 مارس 2016 أول لقاء مع النائب العام المصري نبيل صادق لبحث تطورات قضية ريجيني.

وبعد اللقاء، أعلنت وزارة الداخلية المصرية يوم 24 مارس 2016 العثور على حقيبة بها متعلقات ريجيني، وبينها قطعة داكنة تشبه مخدر الحشيش ومتعلقات نسائية، بعد أن “تمكنت من قتل عصابة إجرامية مكونة من 4 أشخاص والقبض على 3 آخرين قالت إنهم “متخصصون في اختطاف الأجانب وسرقتهم بالإكراه وانتحال صفة الشرطة”.

ووقتها عرضت السلطات المصرية بعض مقتنيات ريجيني في وسائل الإعلام، من بينها هاتفه الشخصي وبطاقاته البنكية؛ بيد أن السلطات الإيطالية لم تقتنع بهذه الرواية وطالبت المصريين بـ”الكشف عن حقيقة الجهة التي قتلته”.

كما أكدت والدة الطالب الإيطالي يوم 29 مارس 2016 في مؤتمر صحفي بمجلس الشيوخ الإيطالي (الغرفة الأولى للبرلمان) أن ابنها ” تعرض إلى التعذيب، ولم يكن صحفيًا ولا جاسوسًا؛ بل كان شابًا يمثل المستقبل”.

التهديد الإيطالي

هددت إيطاليا يوم 30 مارس 2016م السلطات المصرية بـ”عواقب” -لم تكشف ماهيتها- إذا لم تتعاون في التحقيقات الهادفة إلى كشف المتورطين الحقيقيين في قتل ريجيني، بينما نشرت صحيفة “لا ريبوبليكا” الإيطالية يوم 6 أبريل 2016 رسالة قالت إنها حصلت عليها من شخص يزعم أنه يعمل في الاستخبارات المصرية، ويكشف في رسالته تفاصيل مزعومة عن “تورط” الأمن المصري في “تعذيب ريجيني وقتله”.

وفي خضم هذه التطورات، عُقد ثاني اجتماع يومي 7 و8 أبريل 2016م في روما بين القضاة والمحققين المصريين والإيطاليين لعرض ما توصلت إليه السلطات في القاهرة. ووقتها جاء الوفد المصري بملف من 2000 صفحة، مع محاضر تحقيقات شملت نحو 200 شخص كانت لهم صلة بريجيني، فيما طلب الجانب الإيطالي تسجيلات فيديو لمكان اختفائه وسجلات اتصالاته الهاتفية والتقارير الطبية.

واستدعت إيطاليا سفيرها لدى القاهرة ماوريتسيو ماساري يوم 8 أبريل/ نيسان 2016 لإجراء مشاورات بشأن القضية، ويوم 4 مايو 2016 تسلمت النيابة العامة في روما سجلات هاتفية لـ13 مصريًا -لم تذكر أسماءهم أو أي معلومات عنهم- من نظيرتها في مصر في إطار التحقيقات.
وأعلنت روما يوم 10 مايو 2016 أن “معظم الطلبات التي تقدمت بها إلى السلطة القضائية في مصر للكشف عن ملابسات جريمة قتل ريجيني قد لبتها القاهرة”.

وقالت وقتها إن الجانب المصري سلم فريق المحققين الإيطالي وثائق جديدة من حوالي ثلاثين صفحة، وتشمل ستة تسجيلات هاتفية جديدة، ومحاضر للشرطة، وتقارير للطب الشرعي متصلة بوفاة خمسة من اللصوص قد قُتلوا على يد قوات الأمن المصرية في مارس، وعثر بحوزتهم على متعلقات شخصية لريجيني.

ويوم 12 يونيو 2016 قالت النيابة العامة الإيطالية إن “الزعم بقتل ريجيني على يد عصابة إجرامية هو فرضية كاذبة أعدّتها السلطات المصرية لتضليل التحقيقات”.

خطوة عقابية

وتطورت القضية يوم 29 يونيو 2016 بإعلان مجلس الشيوخ الإيطالي إلغاء توريد قطع غيار طائرات F-16S المقاتلة إلى مصر، وبعد القرار بأسبوع قالت القاهرة إن “وقف مساعدات عسكرية لها يستدعي اتخاذ إجراءات مماثلة تمس مجالات التعاون بينها والأوضاع في ليبيا وملف الهجرة غير النظامية (وهي الإجراءات التي لم تعلن عنها أو توضحها القاهرة من وقتها)”.
ويوم 25 يوليو 2016 أعلنت النيابة العامة في روما تحليل مشاهد الفيديو التي التقطتها الكاميرات في محطات مترو الأنفاق، التي تواجد فيها ريجيني يوم اختفائه بالقاهرة، واتفقت وقتها مع نظيرتها المصرية أن يقوم الجانب المصري بتسليم القرص الثابت المتعلق بتسجيلات كاميرات المحطات.

تورط ابن السيسي

وفي الشهر نفسه، ألمحت المنصة الإلكترونية “ريجيني ليكس” إلى تورط الابن الأكبر للرئيس المصري بمقتل الطالب الإيطالي ريجيني من خلال موقعه في جهاز المخابرات العامة.

وقالت المنصة، التي أنشأتها صحيفة “إيسبريسو” الإيطالية، إنه ليس من الصعب الاعتقاد بأن نجل السيسي كان على علم بتحركات جوليو ريجيني حتى قبل اختفائه، وأوضحت أن ذلك لم يذكر في أي تقرير؛ لكن إدارة تحرير المنصة ما زالت تدرس المسألة، حسب قولها.

لقاءات المحققين 

بدأت جولة ثالثة من اجتماعات المحققين المصريين والإيطاليين في روما يوم 25 يوليو 2016م واستمرت ليومين، ووقتها سلم النائب العام المصري الجانب الإيطالي تقريرًا مفصلًا حول نتائج تحليل المكالمات التليفونية التي رصدتها شركات الهاتف بمنطقتي اختفاء ريجيني والعثور عليه بمصر.

وكشفت النيابة الإيطالية يوم 8 سبتمبر 2016م عن نتائج تشريح جثة ريجيني لدى الطب الشرعي في روما، وقالت إن “ريجيني لم يُتوّف نتيجة حادث؛ بل إثر تعذيب استمر عدة أيام”.

ويوم 9 سبتمبر 2016 قال النائب العام المصري نبيل صادق إن هناك “شكوكًا” في ارتباط عصابة إجرامية بخطف الباحث الإيطالي وقتله، كما إنه لم يستبعد “العصابة الإجرامية” من التحقيقات بعد.
وفي ذلك التاريخ، قال النائب العام المصري في روما إن رئيس النقابة المستقلة للباعة الجائلين في مصر قدم بلاغًا للشرطة ضد الباحث الإيطالي جوليو ريجيني قبل أسابيع قليلة من اختفائه ومقتله.

ونفت الحكومة وأجهزة الأمن احتجاز ريجيني على الإطلاق؛ لكن مصادر بأجهزة الأمن والمخابرات أبلغت “رويترز” في أبريل 2016م بأن الشرطة ألقت القبض عليه خارج محطة لمترو الأنفاق بالقاهرة في 25 يناير/ كانون الثاني وأنه نقل إلى مجمع تابع لجهاز الأمن الوطني.

وعُقد لقاء رابع بين المحققين في الأول من نوفمبر 2016م، وبعدها سلمت السلطات المصرية لنظيرتها الإيطالية الوثائق الشخصية الخاصة بريجيني التي عثرت عليها الشرطة في 24 مارس 2016، وتتضمن جواز السفر، وبطاقتين جامعيتين، وبطاقات السحب الآلي الخاصة به.

وخلال اللقاء الخامس، الذي جرى يوم 6 ديسمبر، أكد النائب العام المصري نبيل صادق لنظيره الإيطالي جيوسيب بيجناتوني أن “بلاده لن تغلق التحقيق في مقتل ريجيني إلا بعد القبض على الجناة”.

ووافقت النيابة المصرية في 22 يناير 2017 على طلب إيطالي باسترجاع بيانات كاميرات مراقبة محطة مترو الدقي (غربي القاهرة) وتحليلها، وتردد أن ريجيني ظهر فيها قبل اختفائه.

ويوم 23 يناير 2017 بثّ التلفزيون المصري “فيديو” يظهر فيه ريجيني في مشهد ليلي وهو يتكلم بعربية فصحى غير سليمة، فيما يرد محدثه بعامية مصرية، مطالبًا إياه بأموال لإجراء عملية جراحية لزوجته.

لكن الطالب الإيطالي، الذي كان يجري أحد أبحاثه على الباعة الجائلين، رفض منحه المال، مضيفًا أن النقود التي معه ملك المؤسسة البريطانية (لم يسمها) التي يعمل معها، ولا تخصه شخصيًا.

فيما قالت النيابة العامة الإيطالية إن محققين إيطاليين يعتقدون أن الشرطة المصرية ضالعة في ذلك التسجيل.

ويوم بعد ذلك، قال وزير الخارجية الإيطالي أنجيلينو ألفانو إن بلاده لن يهدأ لها بال -سياسيًا ودبلوماسيًا- حتى ظهور الحقيقة بشأن حادثة اختطاف الباحث الإيطالي ومقتله.

وذكرت وكالة “آكي” الإيطالية للأنباء أن مصادر تحقيقات إيطالية رأت أن هذا التسجيل صوّر باستخدام كاميرا صغيرة بحجم زر قميص، و”هي جهاز متوفر لدى الشرطة المصرية”.

تصعيد محتمل

وقد كشفت وكالة أسوشيتد برس أن الجانب الإيطالي قد عزم على التصعيد فيما يخص قضية ريجيني في المرحلة القادمة؛ خاصة أن المحققين الإيطاليين لم يصلوا إلى قناعة كاملة بالحجج التي ساقها الجانب المصري. 

وقالت الوكالة إن النقطة المفصلية في المسألة، التي دعت الجانب الإيطالي إلى التشكيك المستمر في الروايات المصرية، هي ثبوت “فبركة” قصة العصابة التي ادعى الجانب المصري أنها تخصصت في خطف الأجانب وأنها قتلت خمسة من أفرادها.

كما أوردت الوكالة آراء لخبراء وسياسيين بأن النظام في مصر قد يدخل مع الإيطاليين في مقايضة تشمل دورًا مصريًا في ليبيا لصالح الجانب الإيطالي، مقابل غض الطرف عن القضية؛ وهو ما استبعد خبراء أن يوافق عليه الإيطاليون؛ بسبب ضغط الرأي العام الإيطالي المتعاطف مع أسرة ريجيني.



تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية 2023