شبكة رصد الإخبارية

«نيويروك تايمز»: في زفاف محمد سلطان.. مأساة السجن تهيمن على الحفل

بالتأكيد لن تشعر أيّ عروس بالسعادة الغامرة في حفل زفافها إذا كان يسيطر عليه غياب أحد ضيوف زوجها. «حبيبة شبيطة»، زوجة محمد سلطان، تختلف عنهم؛ فبالتأكيد كانت سترحب بفرصة مشاركة الضوء مع «عمر مالك» صديق خطيبها محمد، بحسب «نيويورك تايمز».

وبحسب ما ترجمت «شبكة رصد»، كان عمر (31 سنة) ومحمد سلطان (29 سنة) سجينَيْن في القاهرة لمدة عامين، بعد القبض عليهما في حملة واسعة النطاق قادتها الحكومة المصرية على المتظاهرين السياسيين. وعقد الاثنان اتفاقًا بعدما حكم على عمر «بالإعدام».

يقول «عمر»: بعدما سمع «محمد» الحكم بالإعدام ضدي هزّ القضبان بعنف، ونظرتُ إلى عينيه كانت الدموع فيهما، ثم بكى صارخًا، فقلت له: «لا تقلق يا صديقي، لن أموت. يومًا ما ستتزوج وسأحضر حفل زفافك».

وعد صديقين

«هذا الوعد لم يؤتِ ثماره أبدًا»، بحسب النيويورك تايمز. فعلى الرغم من الإفراج عن «عمر» هذا العام وحصوله على تأشيرة لدخول الولايات المتحدة في أوائل أغسطس، قبل أيام من حفل زفاف «محمد وحبيبة» في رستون بالولايات المتحدة، نصحه محاميه ألا يغادر مصر. كانت هناك مخاوف من اعتقاله في المطار.

لم يكن غياب «عمر» هو المؤثر في حفل الزفاف فقط، فوالد محمد «صلاح سلطان» أيضًا ما زال معتقلًا داخل السجون المصرية منذ الحملة التي قادها النظام المصري ضد المعارضين، ويقضي حكمًا بالسجن لمدة خمس سنوات في سجن شديد الحراسة، بعد أن ألغت محكمة الاستئناف حكم الإعدام الصادر ضده.

تضيف الصحيفة: «يبقى الزوجان ملزمين بكشف المظالم المتعلقة بحقوق الإنسان. في الواقع، هذه المهمة المشتركة هي التي جمعت بينهما أصلًا». تقول حبيبة (22 عامًا)، التي نشأت في كولونيا بنيو جيرسي: «بدأ كل شيء في صيف عام 2013، عندما انتهيت للتو من المدرسة الثانوية وبدأت أشكّل وعيًا سياسيًا، وكنت مع محمد، وهو محام حقوقي ومؤسس منظمة غير ربحية تهدف إلى لفت الانتباه إلى معاناة السجناء السياسيين».

المصير المروع

كان عمرها 18 عامًا أثناء زيارتها جدتها وأبناء عمها في مصر، كما تفعل كل صيف طوال طفولتها، ولاحظت الكرب الذي أصاب البلاد بعد الانقلاب العسكري على الرئيس محمد مرسي؛ فأدركت أنّ الانتقال والعيش هناك أخافها: «كان من المخيف أن نرى كيف استعاد الجيش سيطرته مرة أخرى».

في يومٍ ما، أثناء مشاركتها في الاحتجاجات ضد الانقلاب العسكري، قالت إنها واتتها فكرة مجنونة، بالتحدث من على «منصة رابعة» كمواطنة مصرية أميركية، مضيفة أنها لم تتحدث من قبل في مثل هذه الأحداث، وقبل التحدث طلبوا منها إعداد الرسالة التي ستلقيها في الكواليس خلف المنصة، وساعدها أحدهم. كان محمد (25 عامًا حينها). تقول: «لقد كان قدرًا».

وتضيف الصحيفة تعقيبًا على كلام حبيبة: إنه مصير استغرق وقتًا وأخذ منعطفات مروعة قبل أن يصبحا زوجين؛ ففي أغسطس 2013 كانت «حبيبة» تستعد للسفر إلى نيوجيرسي لمواظبة دراستها، عندما فوجئت بأن محمد تعرّض إلى مشاكل، وهو خريج جامعة ولاية أوهايو وعاش في الولايات المتحدة لمدة قبل أن يعود إلى مصر مع عائلته.

وقادت الشرطة والجيش هجومًا على المتظاهرين في ميدان رابعة، ووسط الأحداث أصيب محمد برصاصة في ذراعه، في حين تفرقت أسرته؛ فاستطاعت والدته وشقيقته السفر إلى الولايات المتحدة، وحاول والده الاختباء؛ لكن قُبض عليه بعدها بأشهر.

وفي يوم عودة «حبيبة» إلى الولايات المتحدة قُبض على محمد بتهم تتعلق بالإرهاب والتآمر، عندما داهمت الشرطة منزل أسرته في القاهرة، ووضع في زنزانة بصحبة 20 سجينًا سياسيًا آخرين، وظلت تفكر في المستقبل؛ فمن الممكن أن يُحكم عليه بالسجن المؤبد أو الإعدام.

أما محمد فقال: «كانت الزنزانة تحت الأرض، لا تصل إليها أشعة الشمس، ولم تكن آدمية، ولم يكن لدينا إمكانية الوصول إلى العالم الخارجي».

إلا أن «محمد»، بحسب الصحيفة، كان يمتلك هاتفًا مهربًا، استخدمه لإعلام أفراد عائلته أنه ما زال حيًا، وأطلعهم على خطته للإضراب عن الطعام، الذي استمر لمدة 16 شهرًا، وخسر فيه 160 كيلوجرامًا من وزنه، وأصيب بانسداد رئوي في رئته اليمنى كاد أن يقتله، وتفاقم ضعفه الجسدي بسبب حالته النفسية السيئة، وقضى آخر خمسة أشهر من سجنه في الحبس الانفرادي.

الحراس شجعوه على الانتحار

وأضاف محمد أنّ الحراس كانوا يشجعونه على قتل نفسه بشفرات الحلاقة، وكانوا يخبرونه بأن والده يتعرض إلى التعذيب بصفة دائمة؛ في محاولة للتأثير على نفسيته، وقال إنّ حادثة بشعة وقعت أمام عينه، عندما ترك حراس السجن سجينًا يموت في زنزانته وتركوه ميتًا لنصف يوم كامل.

تضيف الصحيفة: لكنّ أسرته وأصدقاءه وحبيبته لم يتخلوا عنه أبدًا؛ فبعد اعتقاله مباشرة بدأت شقيقته الكبرى «هناء سلطان» في تأسيس حملة على مواقع التواصل الاجتماعي للمطالبة بإطلاق سراحه، ولاقت الحملة زخمًا وتفاعلًا واسعين في الولايات المتحدة وأماكن أخرى، وكانت «حبيبة» من أوائل المتفاعلين.

قالت حبيبة للصحيفة: «أُصبت بصدمات نفسية عدة؛ بسبب كل ماحدث، ولم أكن أعرف كيفية التعامل مع كل هذه المشاعر، وبعدما أسست عائلة محمد حملة على الفيس بوك اتصلت بهم لمعرفة ما يمكنني القيام به لمساعدتهم». وتحوّلت الصفحة المؤسَّسة إلى متابعة يومية لحياة محمد داخل السجن.

وعندما أطلق سراح «محمد» في مايو 2015، أي بعد شهر من الحكم عليه بالسجن مدى الحياة، كان مؤيدوه، بمن فيهم شقيقته هناء، متحمسين جدًا لرؤيته؛ فاستقبلوه في مطار «واشنطن دالاس الدولي»، بعد أن تلقوا مكالمة بالليل تخبرهم بأنه على متن طائرة متجهة إلى فيرجينيا. وهبط محمد ودخل المطار على كرسي متحرك.

غيرة محمد

تقول «حبيبة»: في غضون أسبوع كان محمد يستقبل الزوار في منزل شقيقته، بما في ذلك أعضاء حركة FreeSoltan، وتضيف: «كنا ننتظر الاحتفال بهذه اللحظة لمدة عامين، وفي لحظة قال لي: بالرغم من كل هذا، ما زال هناك أشخاص يقبعون في السجن في مصر، علينا أن نساعدهم».

وقالت إنها تبعت شغفه وقررت الانضمام إليه في هذه القضية، وفي غضون عشرة أشهر من إطلاق سراحه تطوّرت علاقتهما من مهنية إلى شخصية، مضيفة أنه في عام 2016 قال لها ذات مرة بعدما أنهت مكالمة تليفونية: «إلى من تتحدثين»، في إشارة إلى رجال آخرين؛ فأخبرته أنه لم يكن أحدًا منهم (رجلًا).

تتويج قصة كفاح

قالت حبيبة: «ارتبطنا بعد ذلك»، بينما قال محمد: «كنت أشعر بالراحة في وجودها، وأثناء مرحلة التعافي كانت مدركة تمامًا لعمق الصدمة التي كنت أمر بها، كانت متفانية معي إلى أبعد حد؛ إنها حقا جميلة، ومستقلة وكنت أثق فيها».

بعد أشهر من التعارف، صارحا بعضهما بعضًا بحبهما، وتعرف في تلك المرحلة على أسرتها؛ فوالدها كان بمثابة أبيه الثاني، وحصل على موافقته بالزواج منها، لكنه اشترط أن تنهي دراستها أولا، وهو ما تم بالفعل؛ فبعد أن حصلت على الماجستير في العلوم السياسية بدآ يخططان للزواج.

وفي 30 يوليو، تزوج محمد وحبيبة في حفل خاص بمقر الجمعية الإسلامية بمقاطعة مونماوث في ميدلتون بنيو جيرسي، وعقد قرانهما الشيخ عمر سليمان، أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة ميثوديست الجنوبية.

وفي 19 أغسطس، أحيي حفل الزواج في ريستونن بحضور أكثر من 350 ضيفًا، ورقص الجميع، وقالت والدته: «رأى ابني الموت في السجن بعينيه؛ لكنه نجا الآن»، وقال ضيف: «أردت أن أحضر لأجله، إنه يستحق حياة أفضل».