شبكة رصد الإخبارية

أسباب ارتفاع معدلات الانتحار لدى الفلسطينيين

صعد «رزق أبوستة»، 39 عامًا، أعلى برج هوائي يبلغ ارتفاعه 68 مترًا العام الماضي، كان متأكدًا أنّ القفز من أعلى البرج سيحلّ جميع مشاكله؛ لكنه فجأة أدرك أنّ عائلته ستكون وحيدة في النهاية، وبعد أن استمر سبع ساعات أعلى البرج الهوائي، والتفكير فيما إذا كان سيقفز أم لا. قرر «رزق» أخذ خطوة للوراء؛ لا لن ينتحر.

تقول التقديرات إنّ الفلسطينيين نادرًا ما كانوا ينتحرون؛ حتى إنّ عامًا كاملًا مرّ دون أن يحاول أحدهم الانتحار. لكن، ارتفعت هذه النسبة في عام 2016 حتى وصلت من بين أكثر الدول التي يُقدم مواطنيها على الانتحار؛ وهو ما سلّطت عليه شبكة «الجزيرة» الضوء في تقريرها.

يقول رزق لـ«الجزيرة»، من منزله في خان يونس: فقدتُّ السيطرة والقدرة على التفكير، وكنت تحت ضغط كبير، وفجأة قررت أن أصعد مباشرة إلى الأعلى دون التفكير في ما كنت على وشك القيام به؛ لكني مرة واحدة وأنا أعلى البرج بدأت أفكر في أطفالي.

وبحسب ترجمة «شبكة رصد»، في يناير 2011، اكتشف «رزق» فجأة أن راتبه كحارس أمن تابع للسلطة الفلسطينية قُطع لأسباب غير واضحة، وحاول لمدة خمس سنوات أن يحصل على راتبه؛ لكنه لم يتلق سوى وعود فارغة في المقابل، وهذا كان تحديًا واجهه رزق. وبجانب ذلك، كان يكافح مع إصابات العمل التي ألمّت به، ودمر منزله مرتين في الهجمات الإسرائيلية على غزة، وقُتل والده، وسجنت والدته في «إسرائيل» لمدة ثماني سنوات.

وقال رزق: أطالب بحقوقي فقط، وأتساءل: لماذا خفّضوا راتبي دون سبب واضح؟ ما فعلوه غير قانوني وغير إنساني وغير عادل. عائلتي قدّمت كثيرًا لوطننا.

تضيف «الجزيرة» أنّ الانتحار كان نادرًا في المجتمع الفلسطيني، وبلغ في أحيان حالة واحدة فقط في العام؛ لكنّ المسؤولين الصحيين يقولون إنها أصبحت اليوم ظاهرة سائدة بشكل متزايد في غزة.

وحاول ما لا يقل عن 95 شخصًا الانتحار في قطاع غزة في الربع الأول من عام 2016، أي بزيادة نسبتها 40% عن السنوات السابقة، وفقًا لـ«مرصد حقوق الإنسان الأورومتوسطي». وفي السنوات الأخيرة، كانت هناك حالات أو محاولات كثيرة من الشباب في غزة والضفة الغربية المحتلة.

ووفقًا لـ«أكرم نافع»، وهو طبيب نفسي في برنامج غزة للصحة العقلية في غزة، فإن طريقة انتحار الناس تغيّرت أيضًا.

يقول أكرم: «عادة ما يختار المقدمون على الانتحار القيام بذلك في منتصف الليل تقريبًا، وتكون خططهم سرية؛ لأنهم يريدون الرحيل في سلام. لكن، يبدو هؤلاء أنّهم يقيمون عرضًا، ويستخدمون طريقة مؤلمة جدًا للقيام بذلك؛ لكنّ معظمهم يتعرضون إلى ضغوط شديدة». ويضيف: «إنها وسيلتهم ليقولوا لا للبطالة الساحقة والحصار المستمر على غزة؛ الأمر الذي يجعلهم تحت ضغط وقلق دائم وفقدان للأمل».

وأضاف أنّ «الانتحار ليس بسبب اضطرابات نفسية؛ فهؤلاء الذين يحاولون الانتحار فقدوا الأمل في أن يساعدهم أحد، فالاحتلال والعالم كله يضغطان علينا ويريدان معاقبتنا فقط لأننا نعيش على أرضنا ويقطعون جميع الاحتياجات الأساسية».

ومع ارتفاع معدل البطالة في غزة بنسبة 42%، وهو من بين أعلى المعدلات في العالم، بالإضافة إلى الحصار «الإسرائيلي المصري» المستمر منذ عقد من الزمان، بجانب الضربات العسكرية المطلقة عليهم؛ يعاني كثير من السكان من الاكتئاب أو القلق أو اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD).

كما أنّ قرابة 96% من مياه غزة غير صالحة للاستخدام الآدمي، وفي هذا الصيف، لا تأتي الكهرباء سوى ساعتين في اليوم.

وبموجب القانون الإنساني الدولي، فإن «إسرائيل»، بوصفها قوة احتلال، مسؤولة عن صحة ورفاه السكان الفلسطينيين.

وقال «أكرم» إنّ الاحتلال الاسرائيلي هو المسؤول الأول عن كل هذه الأمور، وحتى لو كانت الحكومة في غزة مسؤولة في أحيان عن شيء ما، فالاحتلال هو الذي يضغط على هذه الحكومة، مضيفا أنّ الفلسطينين أقوياء وراثيًا؛ لكنّ سنوات الاحتلال الكثيرة أثّرت عليهم.

وعن ذلك، يوضّح باحثون في «مؤسسة المعونة الطبية للفلسطينيين»، في تقرير صدر مؤخرًا بالتفصيل، مدى التأثير الكبير لاحتلال «إسرائيل» للضفة الغربية لمدة 50 عامًا على الصحة النفسية للفلسطينيين.

ووفقًا لما ذكره «بو شاك»، مدير عمليات الأونروا في غزة: «يواجه اللاجئون الفلسطينيون في غزة مستويات متزايدة من التوتر والضيق؛ إذ أصبح الإبلاغ عن حالات الانتحار في قطاع غزة، التي لم يسمع عنها أحد، حدثًا منتظمًا؛ وهو ما يشير بوضوح إلى أن قدرة الفلسطينيين على التكيف تُستنفد».

وفي السنوات الخمس الأولى من حصار غزة في المدة من 2007 إلى 2012، ارتفع الاكتئاب بنسبة 18%، وفقًا لبرنامج الصحة النفسية للمجتمع في غزة.

وبعد هجوم عام 2014، قدّرت منظمة الصحة العالمية أنّ ما يصل إلى 20% من سكان غزة ربما عانوا من اضطراب ما بعد الصدمة، بينما بلغت نسبة الأطفال وحدهم 54%، ويرى تقرير آخر أنه لا يوجد ما يُتخذ لمعالجة آثار هذا الاضطراب؛ وهو ما يعني أنه ما زال مستمرًا.

ويعدّ الأطفال الذين يعيشون بالقرب من المناطق العازلة مع «إسرائيل» أكثر تعرضًا إلى العنف والغارات الإسرائيلية. ونتيجة لذلك؛ يتطور لديهم القلق والخوف العميق، إضافة إلى الكوابيس والتبول اللاإرادي.

وفي بيئات طبيعية، أفضل حل هو القضاء على سبب المشكلة، لكن في غزة لا يمكنك تغيير الوضع؛ والحل أن توفّر لهم منطقة آمنة. لكن، حتى هذه لا يمكن تقديمها بشكل جيد؛ فبدلًا من ذلك يُدعم المرضى بالأدوية والجهود المبذولة لمساعدتهم على التكيف مع الوضع الراهن.

وقال نافع: «الفلسطينيون في غزة لا يفكّرون في القدس أكثر مما يفكرون في كيفية الحصول على الكهرباء لمدة ثماني ساعات يوميًا؛ فالحرب بين الإسرائيليين والفلسطينيين ليست حربًا من الأسلحة، بل حرب على العقول، وهذه هي الحرب الحقيقية».

ويواجه الفلسطينيون الآن تهديات بحرب أخرى وشيكة، ويخشى كثيرون هجومًا جديدًا، ويسمعون أصوات نيران المقاتلات الإسرائيلية باستمرار، أو هديل الطائرات F16، بصفة منتظمة.

وبمساعدة «مركز الصدمات الفلسطيني»، لا يزال «نعمان جبريل»، 53 عامًا، من مخيم البريج للاجئين، يتعافى من الهجوم الإسرائيلي الأخير في عام 2014؛ إذ يصاب بصدمة كلما سمع أي نوع من الانفجار، حتى الألعاب النارية البسيطة التي يطلقها الأطفال في الشوارع.

ويقول نعمان لـ«الجزيرة»: دائمًا ما أتوقع هجومًا صاروخيًا آخر، الأمر أصبح بمثابة كابوس لي، وبمجرد أن تبدأ هذه الأفكار تحتل رأسي أبدأ التفكير في كيفية حماية عائلتي وكيفية الهرب من المكان.

كان «نعمان» يعمل في سوقه الصغير في منزله في يوليو 2014 عندما دمّر صاروخ طائرة من دون طيار منزل جاره. ولم يمر وقت قصير حتى ضرب صاروخ آخر منزله.

الهجوم في 2014 لم يُصِب نعمان باضطراب ما بعد الصدمة فقط؛ بل سبّب له أيضًا إعاقات؛ إذ فقد ساقه ونصف قدمه، وفقد السمع بأذنه اليسرى. وفي مستشفى غزة، كان الأطباء على وشك بتر ذراعه الأخرى، ولكنّ أبناءه رفضوا؛ وبدلًا من ذلك أخذوه إلى مصر، حيث أنقذ الأطباء ذراعه بإدخال حاكم معدني.

واليوم، يستطيع أن ينقل ذراعه المتبقية، ولكنه لا يستطيع حمل أي شيء، ولا تزال أجزاء من الصاروخ موجودة في جمجمته. ولا يستطيع نعمان، الذي يعتمد على كرسيه المتحرك، الذهاب بعيدًا عن منزله؛ خوفًا من نفاد البطارية في أي وقت، لكنه يصرّ على ألا يقع في براثن الاكتئاب، ودائمًا يردد: «الله أكبر، أنا مؤمن بالله، وأعرف أن هذا اختبار منه».