شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

هل نستطيع تنظيم حياة اجتماعية لا يلعب فيها المال دورا؟

نشرت صحيفة «تسايت» الألمانية تقريرا، تحدثت فيه عن مستقبل العملات الورقية، التي من المرجح أن تشهد اختفاء تدريجيا، حيث ستكون الأسواق عبارة عن توزيع للسلع والمهام، مشيرة إلى أن المطورين الماليين يسعون إلى تطوير خوارزميات من شأنها تولي تلك المهمة.

وقالت الصحيفة في تقريرها الذي ترجمته «”عربي21»، إن «الاقتصادات العالمية حاليا تعتمد على المال، ولكن من الواضح أننا نسير نحو التخلي عن التعاملات المادية، التي تعتمد على الأوراق النقدية، ويأمل العديد من الاقتصاديين في أن يتعاون الناس فيما بينهم لتبادل السلع والأدوات والقدرات دون الحاجة إلى المال، وسيصبح وقتها من الرائع تنظيم حياة اجتماعية لا يلعب فيها المال دورا».

وأفادت الصحيفة أن «الأوراق النقدية أصبحت تُستخدم لثلاثة أغراض أساسية، هي التقييم والدفع والادخار، ومع الوقت، أصبح الادخار هو الهدف الأساسي من استخدام الأوراق النقدية، وخاصة بعد الأزمة الاقتصادية التي مر العالم بها منذ 10 سنوات، ويعد السبب الرئيسي في الأزمات الاقتصادية التي تحدث في عدة دول، وعلى وجه الخصوص الأزمة الاقتصادية في 2008، عدم توفر سيولة نقدية في البنوك، ومن جهته، يرى البنك المركزي الأوروبي، في برنامج الطوارئ الخاص به، أن تجاوز هذه الأزمات لن يتم من خلال توفير سيولة نقدية».

ولفتت إلى أنه  «منذ القدم لم يعتمد التعامل التجاري بين الأشخاص على المال، وقد ظهر التعامل بالأوراق النقدية في عصور متأخرة، وخاصة مع ظهور المدن وفرض الضرائب وكتابة الديون».

وأشارت الصحيفة إلى أنه «في ظل التطور التكنولوجي وظهور الحواسيب، أصبح تسجيل الديون والمعاملات أكثر سهولة، ومنذ عقد من الزمان، أصبحت الحواسيب والشبكات قادرة على توثيق كافة المعاملات، ويمثل ذلك بداية الطريق نحو التخلص من الاعتماد على الأوراق النقدية، فقد أصبحت التطبيقات والمنصات الإلكترونية قادرة على معالجة كافة معاملاتنا ونفقاتنا، ومع مرور الوقت، ستكون تلك البيانات، التي تخزنها الحواسيب، بديلا لمراقبة الأسعار في الأسواق».

وأوضحت الصحيفة أنه «كلما كانت بيانات العميل أدق، كلما حصل على أسعار أقرب لسلوكياته، في الواقع، كانت الآليات القديمة التقليدية في السوق الكبيرة تتكفل بتلك المهمة بدلا من التكنولوجيا الحديثة، أما الآن، ستتم كل معاملة في سوق صغيرة، وسيظهر المال في هذه السوق في صورة بيانات مقدمة سابقا، ومع مرور الوقت، سيفقد المال أهميته، لأن البيانات ستكون كافية لتوزيع المشتريات بصورة صحيحة».

وأشارت الصحيفة إلى أنه «مع اعتماد الاقتصاد على التكنولوجيا بصورة كبيرة، فمن الممكن أن نتخيل تنفيذ عملية توزيع السلع والمواد عن طريق البيانات فحسب، وسيحدث ذلك على ثلاث مراحل، أولها، التخلص من النقود بمفهومها التقليدي، حيث ستتم كافة المدفوعات من خلال البيانات، وحتى التعاملات التي تتطلب أموالا، ستتم بصورة غير مرئية في المستقبل من خلال العملات الرقمية، على غرار بيتكوين، وبالتالي، سيصبح التعامل المالي أمرا لا مركزيا، أما في مرحلة ثانية، ستأخذ البيانات وظيفة النقود، حيث سيتم توزيع المهام والسلع وفقا لخوارزميات معينة وليس وفقا للمال».

وأكدت الصحيفة أنه «في الوقت الحالي، تعتمد كافة أنشطتنا المالية على أشخاص آخرين، في حين يجب أن يتم التنسيق بين تلك الأنشطة بطريقة ما، في الوقت الحالي، تقوم الشركات والأسواق بعملية التنسيق باستخدام النقود، ولكن ستقدم لنا عملية مطابقة البيانات في المستقبل حلولا أفضل».

وذكرت الصحيفة أن «عملية المطابقة تتم في الوقت الحاضر باستخدام المال، لكن قواعد تطبيق هذه العملية تختلف عما سيحدث في المستقبل، فعلى سبيل المثال، في المتاجر يحصل الشخص على البضاعة عندما يذهب بنفسه ويدفع المال في ظل توفر هذه السلعة، وفي المزاد، يحصل الشخص الذي يقدم العطاء الأفضل على هذا المقتنيات التي يرغب فيها، أما المرحلة الثالثة من الاقتصاد غير النقد، فتتمثل في اختفاء الأوراق النقدية تماما، في الوقت الذي ستصبح فيه فكرة قياس الأشياء بمكافئ عام قديمة، ولكن، لسائل أن يسأل: في مستقبل خال من المال، كيف سيتم تقييم الأشياء؟».

في الواقع، لن يتم تحديد قيمة السلع والأشياء وفقا لمكافئ ما، ففي المستقبل، يتعين علينا التخلي عن فكرة إعطاء قيمة للأشياء، مقابل التأكد من أنها موزعة وبشكل عادل قدر الإمكان، وقد يعتقد البعض أن فكرة الاقتصاد الخالي من المال لا تلقى قبولا بين الاقتصاديين، ولكن، على مدار الثلاث سنوات الماضية، قامت مجموعة بحثية في جامعة بون وجامعة فيينا للاقتصاد والأعمال بإجراء بحث حول «”مجتمع المال» من أجل خلق محاكاة لاقتصاد خال من المال. وأكد الباحثون أن النقود تعتبر وسيلة فقط من عدة وسائل مختلفة لتنسيق التعاملات التجارية، حيث أنتجت التكنولوجيا الحديثة سلوكيات وممارسات ومؤسسات جديدة في عالم الاقتصاد، بحسب الصحيفة.

وأردفت الصحيفة أن «المجتمعات تميل إلى فكرة التخلي عن المال والاعتماد على وسائل أكثر انضباطا، بسبب هيمنة بعض القوى على اتجاه الاقتصاد عالمي، ومع وجود اقتصاد بيانات، ستصبح فكرة الهيمنة مستبعدة تماما، وسيصبح الاقتصاد دون مال اقتصادا أكثر عدالة، وقد حققت بعض الدول تقدما في هذا الاتجاه، من بينها الصين، من خلال خلق نظام اجتماعي خاص بها».

وفي الختام، شددت الصحيفة على أنه مع وجود نظام اقتصادي رقمي لمراقبة السلوك وتوثيق البيانات، سيمتد ذلك النظام لعدة جوانب أخرى في الحياة، ولا يجب أن نعتقد أن الأمور تسير على نحو خاطئ، فكل المعطيات تشير إلى أننا نسير نحو اقتصاد غير نقدي، ومن المهم أن نفكر في شكل الاقتصاد القادم والحياة التي سنعيشها من دون أموال.



X