شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

أسامة جاويش يكتب: رسالة من المستقبل إلى الشعب التونسي

تعطيل العمل بالدستور بشكل مؤقت، يؤدي رئيس المحكمة الدستورية العليا اليمين أمام المحكمة، ثم العمل على إعداد خارطة طريق تشمل إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، مع وضع ميثاق شرف إعلامي ينظم طبيعة العمل الإعلامي في مصر.
 
كانت هذه أبرز مفردات بيان الانقلاب العسكري الذي قاده عبد الفتاح السيسي في يوليو 2013، وهي مفردات تكاد تكون مشابهة لما أعلنه الرئيس التونسي قيس سعيد من إجراءات استثنائية؛ استحوذ بها على جميع السلطات التنفيذية والقضائية في آن واحد.
 
عزيزي المواطن التونسي، جئت إليك من المستقبل لأخبرك بحقيقة واحدة: لا تصدق قيس سعيد.
 
إنهم يسيرون على نفس الكتالوج بنفس الطريقة، وينتهجون نفس الأساليب والوسائل لتبييض صورة الرئيس ومن دعموه في القيام بهذا الانقلاب العسكري، والشواهد على ذلك كثيرة.
 
– الدعاية السوداء –
 
لعلك تابعت الهاشتاج الذي تصدر مواقع التواصل الاجتماعي في الأيام القليلة الماضية، والذي حمل عنوان «#Tunisiaissafe»، والذي شارك الكثيرون في التدوين عليه باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية أيضا؛ لتوجيه رسالة واحدة مفادها أن إجراءات سعيد هي خطوة في الطريق الصحيح لتونس أكثر أمانا.
 
هذا بالضبط ما حدث في الأيام والأسابيع الأولى التي أعقبت انقلاب السيسي على أول تجربة ديمقراطية في مصر، عندما أطلق عدد من مؤيدي السيسي آنذاك هاشتاغا بعنوان «#Itisnotacoup» بهدف تبييض وجه الانقلاب العسكري لدى الحكومات والرأي العام الغربي وترويج دعاية سوداء؛ مفادها أن ما جرى ليس انقلابا عسكريا، وإنما ثورة شعبية استجاب لها الجيش المصري، وهو محض كذب كشفت عنه مجريات الأحداث في مصر في السنوات التي أعقبت انقلاب يوليو.
 
– الاستبداد والانقلاب vs الحريات والديمقراطية –
 
في محاضرته التي ألقاها الرئيس التونسي خلال اجتماعه الغريب مع صحفيي نيويورك تايمز، قال قيس سعيد: لماذا أسعى أن أكون ديكتاتورا وأنا في سن السابعة والستين؟ في إشارة إلى مقولة شارل ديغول السياسي الفرنسي الكبير. وأضاف سعيد أنه لم يفعل ذلك إلا من أجل مصلحة الشعب التونسي، ولن يتخذ أي إجراءات تمس حرية التعبير أو الصحافة.
 
جئتك من المستقبل لأخبرك بأن هذه كذبات لن يدوم مفعولها طويلا.
 
منذ سبع سنوات قال السيسي: ليس لنا طمع في أي شيء وأقسم على ذلك، أتعرف ماذا حدث؟ نعم لقد ترشح السيسي للرئاسة ثم أطاح بجميع منافسيه، سواء كانوا عسكريين مثل سامي عنان وأحمد شفيق، أو مدنيين مثل عبد المنعم أبو الفتوح وهشام جنينة وآخرين.
 
قال لنا السيسي إنه يحترم الإعلام، ولكنه قام باعتقال الصحفيين وسجنهم، لتصبح مصر ثالث أكثر دولة في العالم في سجن الصحفيين في عهده.
 
لم يستغرق الأمر في مصر كثيرا كي نفهم الفخ الذي أوقعنا السيسي فيه، وأظن أن قيس سعيد لم ينتظر هو الآخر طويلا حتى كشف عن وجه الانقلاب الحقيقي؛ بإغلاق مكتب قناة الجزيرة واعتقال النشطاء والسياسيين، وبدء فتح تحقيقات حول بعض قيادات الأحزاب السياسية
 
لم يستغرق الأمر في مصر كثيرا كي نفهم الفخ الذي أوقعنا السيسي فيه، وأظن أن قيس سعيد لم ينتظر هو الآخر طويلا حتى كشف عن وجه الانقلاب الحقيقي؛ بإغلاق مكتب قناة الجزيرة واعتقال النشطاء والسياسيين، وبدء فتح تحقيقات حول بعض قيادات الأحزاب السياسية.
 
الاستبداد والتفرد بالسلطة والانقلاب لا يمكن أن يجلبوا حرية تعبير أو صحافة، ولا يمكن أن يلتزموا بمبادئ الديمقراطية، ولا يقدرون على قبول الرأي الآخر أو إعطاء المجال للشعب أن يعبر عن غضبه من خلال التظاهر، أو حتى الكتابة على مواقع التواصل الاجتماعي.
 
أسطورة غير حقيقة: لو لم يعجبنا النظام الميادين موجودة.
 
عزيزي التونسي، سيحاولون طمأنتك أن الميادين موجودة وأنك قادر على الثورة من جديد، وأن الشعب الذي أسقط ابن علي قادر على إسقاط قيس سعيد بمجرد التحرك صوب الميادين، ولكن احذر فهذا ما فعلوه بنا في مصر أيضا، قالوا لأنفسهم اتركوا السيسي يقضي على جماعة الإخوان المسلمين ليخلوا لنا المجال، ثم نجبر الجيش وقائده على الرضوخ لمطالب الشعب. أوَتدري ماذا حدث؟
 
لقد حبسهم السيسي وقضى عليهم جنبا إلى جنب مع الإخوان، ثم أغلق الميادين في وجه الجميع، واعتقل كل من تجرأ على رفع صورة مكتوب عليها ارحل يا سيسي.
 
ستجد في السجون المصرية الآن علاء عبد الفتاح جنبا إلى جنب مع محمد البلتاجي، وستجد أحمد دومة بجوار صفوت حجازي، فرّقتهم السياسة واختلاف الأفكار وجمعهم قمع واحد وظلم واحد، وهذا ما بدأ يفعله بالفعل قيس سعيد في تونس.
تونس تعيش أزمة اقتصادية كبيرة، سيخبرونك أنهم بتلك القرارات سينعشون الاقتصاد التونسي وسيعيش المواطن التونسي في حال أفضل، معولين بذلك على حزمة قروض ومنح وأموال ومساعدات تدفعها لهم بعض دول الخليج، ولكن الوضع الاقتصادي في مصر الآن بات كارثيا
 
– فلوسهم زي الرز vs أنا لست ماكينة لدفع الأموال –
 
كنت شاهدا بنفسي على إذاعة عدد من التسريبات الصوتية من داخل مكتب عبد الفتاح السيسي، وهو يتحدث مع مدير مكتبه عباس كامل عن المليارات التي تلقاها من دول الخليج، وتحديدا الإمارات والسعودية والكويت في الأشهر الأولى التي تلت الانقلاب العسكري في مصر. تغير هذا المشهد بشكل ملحوظ بعدها بسنوات قليلة، عندما نشرت نيويورك تايمز وثيقة من اجتماع سري جمع ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد مع عدد من مستشاريه، حيث أخبرهم بضجره الشديد من الطلبات المستمرة من عبد الفتاح السيسي، وهو ما عبّر عنه ابن زايد بقوله: أخبروا هذا الرجل أنني لست ماكينة لصرف الأموال.
 
تونس تعيش أزمة اقتصادية كبيرة، سيخبرونك أنهم بتلك القرارات سينعشون الاقتصاد التونسي وسيعيش المواطن التونسي في حال أفضل، معولين بذلك على حزمة قروض ومنح وأموال ومساعدات تدفعها لهم بعض دول الخليج، ولكن الوضع الاقتصادي في مصر الآن بات كارثيا؛ ديون خارجية تجاوزت 120 مليار دولار، وديون داخلية تجاوزت أربعة تريليونات جنيه مصري، وفوائد قروض سنوية تتجاوز ثلثي موازنة الدولة، ما يعني قروضا لا تنتهي وأعباء اقتصادية غير مسبوقة.
 
– أن تأتي متأخرا خير من ألا تأتي –
 
تلك المقولة لها ثمن باهظ، وخاصة إذا تعلق الأمر بمباركة انقلاب عسكري وتأييد سلطة مستبدة في مقابل التخلص من فصيل سياسي بعينه.
 
الانقلابات واحدة والضحايا كثر، ولم يمض الوقت بعد، فلا زالت هناك فرصة حقيقية للشعب التونسي أن يقف في وجه هذا الانقلاب على ثورته وتجربته الديمقراطية، فقط إن توحدوا على شيء واحد، هو رفض انقلاب قيس سعيد على أولى ثورات الربيع العربي.
 
بعد 8 سنوات في مصر قالها السياسي الناصري المرموق حمدين صباحي، معلقا على انقلاب قيس سعيد في تونس حين قال: “قلبي مع تونس، الثورة الناجية من كل ثورات ربيع عربي اختطفته الثورة المضادة.. كان الانتقال الديمقراطي شائكا، لكنه بكل عيوبه أهون وأضمن من انفراد أي طرف بالسلطة وإقصاء باقي الشركاء أو الفرقاء. اللهم ألهم شعبنا في تونس الصواب ونجه من محنة الاقتتال”.
 
رسالتي من المستقبل للشعب التونسي، ألا يتأخر في فهم ما يحدث، فالانقلابات واحدة والضحايا كثر، ولم يمض الوقت بعد، فلا زالت هناك فرصة حقيقية للشعب التونسي أن يقف في وجه هذا الانقلاب على ثورته وتجربته الديمقراطية، فقط إن توحدوا على شيء واحد، هو رفض انقلاب قيس سعيد على أولى ثورات الربيع العربي.
 
الانقلابات العسكرية أينما تكون لا تأت بخير، وإنما تحصد الشعوب نهبا لثرواتها وانهيارا لاقتصادها، ولكم في مصر خير دليل؛ كارثة سد النهضة وضياع مياه النيل، ثم تنازل السيسي عن تيران وصنافير، كلها نتائج للانقلابات العسكرية.
 
فاحذروا يا أهل تونس.


تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية 2023