شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

ديفيد هيرست: نتنياهو يبحث عن إعلان النصر بينما هزيمته وشيكة برفح

قال الصحفي البريطاني ديفيد هيرست، إنه في الوقت الذي يفكر فيه نتنياهو بإعلان النصر، عبر هجومه على مدينة رفح جنوب قطاع غزة، فإن هزيمته باتت وشيكة، خاصة أنه لن ينقذ الأسرى، ولم يتمكن من تدمير “حماس”.

وكشف في مقال له على موقع “ميدل إيست آي”، ترجمته “عربي21” عن تفاصيل تتعلق بموافقة حماس على صفقة وقف إطلاق النار، وتبادل الأسرى، وما جرى من لقاءات قبل ردها على المقترح.

هل كانت هناك صفقة؟ هل كانت، كما تقول الإدارة الأميركية، عرضاً مقابلاً من قبل حركة حماس؟ هل يوجد على الطاولة عرضان أم هي صفقة تراجعت عنها الولايات المتحدة بعدما رأت الرد «الإسرائيلي»؟

ذلك هو مسار الأحداث الذي وردني من مصادري الذين لديهم معرفة تفصيلية بالمفاوضات الجارية في كل من القاهرة والدوحة.

كان وفد حماس متواجداً في القاهرة منذ بعض الوقت، وكانت هناك ورقة مبدئية قدمت حماس ملاحظاتها عليها، وذلك ما فعله «الإسرائيليون» أيضاً. ولكن لم يحصل اتفاق. فقررت حماس سحب وفدها.

تخبرني مصادري أن وفد حماس كان في المطار عندما خرجت مصر بعرض وافقت عليه الجماعة.

انتقل الوفد إلى الدوحة يوم الأحد، ثم أعلنت حماس أنها سوف تعقد اجتماعاً يوم الاثنين للنظر في العرض المقدم إليها من قبل المصريين والقطريين.

لحق مدير المخابرات المركزية الأميركية (سي آي إيه) بيل بيرنز بوفد حماس من القاهرة إلى الدوحة، وذلك بعد أن كان قد مكث في القاهرة يومين اثنين.

وكان يتوقع منه أن يسافر إلى تل أبيب، ولكنه أخر مغادرته بانتظار رد حماس الذي كان متوقعاً يوم الاثنين.

ثم أُدخل تعديلان بسيطان على نص الوثيقة التي أرسلها المصريون إلى وفد حماس أثناء وجوده في المطار، ولكن اعتبر التعديلان غير أساسيين من أجل التوصل إلى اتفاق. ولقد اطلع موقع ميدل إيست آي على كلتا النسختين.

دور واشنطن

في تلك الأثناء، انتاب القلق رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، بشأن ما قد يفعله المصريون والقطريون بوجود بيرنز في عاصمتي البلدين.

قال نتنياهو إن تل أبيب سوف تمضي قدماً في العملية في رفح بغض النظر عما إذا كان هناك اتفاق حول تبادل الرهائن والسجناء.

ثم جاء قرار حكومة الاحتلال بإغلاق الجزيرة مؤشراً آخر على رفض الاحتلال، ليس مجرد العرض الأخير وإنما كذلك دور الدوحة كوسيط. ولكن تبقى الأسئلة قائمة حول دور واشنطن في الصفقة التي أرسلتها مصر إلى حماس أو حول علمها بها.

إن النسخة الإنجليزية من العرض، والتي وردتني، تنص بوضوح على أن ضامني الاتفاق هم قطر ومصر والولايات المتحدة والأمم المتحدة.

ناهيك عن توقيع الولايات المتحدة على الصفقة التي أقرتها حماس يوم الاثنين، أليس كذلك؟ وبحسب المصادر لم يكن بيرنز يقضي إجازة في القاهرة يتردد على نواديها الليلية أو في الدوحة من أجل السباحة فيها.

تفادى جون كيربي، الناطق باسم مجلس الأمن القومي، الإجابة عن السؤال، ولكنه قال: “يمكننا أن نخلص إلى القول بأن رد حماس جاء نتيجة أو ثمرة لهذه المباحثات المستمرة التي كان المدير بيرنز جزءاً منها”.

ولكن كيربي مضى ليقول إن الولايات المتحدة كانت تقلب النظر في رد حماس، كما لو أن العرض الذي وقعت عليه الجماعة لم يقدم إليها من قبل الحكومتين الوسيطتين، مصر وقطر – وكما لو أن تواجد بيرنز في القاهرة والدوحة كان بصفته مراقباً لا أكثر.

بروز الانقسامات

عندما جاءت موافقة حماس على النسخة الأخيرة، كان لذلك وقع الصدمة على تل أبيب. كان الجميع يتوقع رفض حماس لها. أما رفض الاحتلال فلم يكن ليفاجئ أحداً.

إلا أن المفاجئ في الأمر كان الدور الذي لعبته الولايات المتحدة في صياغة الصفقة التي رفضتها تل أبيب.

بعد تنقلات بيرنز المكوكية بين القاهرة والدوحة، لم يكن الاتفاق الذي جيء به “رداً مقابلاً” كما أخبرني أحد المصادر. “بل كانت تلك ورقة مصرية قطرية، مع الإدراك التام بأن الولايات المتحدة دعمتها من خلال التواجد الشخصي لبيرنز”.

وبحسب ما نقلته وكالة أسوشييتد برس، قال مسؤول مصري ودبلوماسي غربي إن النسخة التي قبلتها حماس تضمنت فقط “تعديلات بسيطة في الصياغة” مقابل النسخة التي دفعت بها الولايات المتحدة قبل ذلك وسعت للحصول على موافقة إسرائيل عليها، وإن التعديلات أدخلت بالتشاور مع بيرنز، الذي أقر النسخة قبيل إرسالها إلى الجماعة الفلسطينية.

قد يفهم من ذلك وجود انقسامات داخل الإدارة الأميركية، حيث تؤيد المخابرات الأمريكية صفقة ما لبث عناصر آخرون في إدارة بايدن أن تراجعوا عنها بعد أن رفضها الاحتلال.

أياً كان الأمر، كما قالت لي مصادري، فإن حماس لا تعتبر ذلك مشكلة. أخبرني أحد المصادر بأن “هذه لم تكن النسخة من وقف إطلاق النار التي كانوا يريدونها. بل لقد قدموا تنازلات حتى يصلوا إلى ذلك، ولا يقلقهم أن تفشل هذه الصفقة”.

وصدر عنه تحذير واضح مفاده: “إذا لم يتسن حل هذه المشكلة، فقد تتخذ حماس قراراً بعدم المشاركة في أي مفاوضات إلى أن يتحقق وقف إطلاق النار. فحماس على استعداد للاستمرار في القتال، إلى أن يدرك الإسرائيليون أن عليهم أن يحصلوا على وقف لإطلاق النار”.

إن الشيء الذي لم تتوقف عنده للتعامل معه بشكل معلن لا حكومة الحرب الإسرائيلية ولا واشنطن هو ثقة حماس بأن لديها القدرة على المضي قدماً في هذه الحرب. لو كانت حماس بحق محشورة في الزاوية، ولم يتبق لها سوى بضع كتائب في آخر معقل لها، أي في رفح، فلماذا تتصرف بكل هذه الثقة؟ فها هي مستمرة في ضرب الأهداف الإسرائيلية، حيث قتلت أربعة جنود وأصابت آخرين بجروح خطيرة في منطقة معبر كرم سالم يوم الأحد.

“بقيت أربع كتائب”

بعد سبعة أشهر من قصف أحال جل غزة إلى حطام، كيف لم يمكن حتى الآن تركيع حماس وإجبارها على الاستسلام؟ لقد قال جيش الاحتلال مراراً وتكراراً إنه أباد معظم مقاتلي حماس، وأنه لم يبق لها سوى أربع كتائب داخل منطقة رفح.

وجهت ذلك السؤال إلى مصدر لديه اطلاع جيد على قدرات حماس العسكرية، فأجاب: “في كل مكان ينسحب منه الجيش الإسرائيلي تعود حماس للظهور، في الشمال، وفي الوسط، وفي الجنوب. تحتل القوات الإسرائيلية ممر نتساريم، ولكن نقاط تفتيشهم هناك لم تزل، وبشكل متزايد، عرضة للهجمات، وهو ما جعلهم في المفاوضات يعرضون الانسحاب من ذلك الخط”.

بعض الخبراء العسكريين في الاحتلال يوافقون، وهم على استعداد لشق الصف. كتب لواء الاحتياط إسحاق باريك في صحيفة معاريف: “يعلم بيبي جيداً جداً بأننا وصلنا عسكرياً إلى طريق مسدود. فبعد أن استولى الجيش على 80 بالمائة من غزة (ولم يبق منها سوى رفح)، تراه يسحب قواته منها لأنه لا يوجد لديه قوات أخرى تحل محلها. والنتيجة هي عودة حماس بشكل كبير إلى جميع المناطق التي غادرها جيش الاحتلال ، حيث فرضت سيطرتها عليها من جديد”.

لا التجنيد ولا المتفجرات تمثل أي مشاكل لكتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، التي تعتبر مجموعة إرهابية في بريطانيا وفي غيرها من البلدان.

بعد معارضة أولية في بعض الدوائر داخل غزة لهجوم السابع من أكتوبر الذي شنته حماس، فإنها ما لبثت جميع الفصائل الفلسطينية أن وقفت صفاً واحداً خلف المقاتلين، حيث بات واضحاً أن حرب الاحتلال تمثل تهديداً وجودياً على الفلسطينيين بأسرهم.

هناك الآن موارد لا تنضب من المجندين في حماس – عشرات الآلاف – بعد سبعة أشهر من القتال. لقد جرفت هذه الموجة من الدعم في زمن الحرب التاريخ المرير من التنافس السياسي بين فتح وحماس.

كما أن معين المتفجرات لا ينضب. فقد أسقطت كميات كبيرة من المتفجرات على غزة منذ السابع من أكتوبر، لدرجة أن إخلاء القنابل غير المنفجرة من المنطقة قد يحتاج إلى أربعة عشر عاماً من العمل الدؤوب، كما توقعت مؤخراً الأمم المتحدة. بمعنى آخر، بمعدل إخفاق يصل إلى خمسة عشر بالمائة، فإن المواد المتفجرة التي تستخلص من القنابل والصواريخ التي لم تنفجر قد تكفي حماس لوقت طويل جداً.

ولقد تم فعلاً إعادة تدوير بعض المتفجرات. وتقول كتائب القسام إنها استخدمت المتفجرات والصواريخ التي أطلقتها الطائرات المقاتلة من طراز إف16 في شن هجوم على منطقة المغراقة في وسط غزة. إذا تمكن مهندسو الشرطة من استخلاص خمسة أطنان من الذخيرة غير المنفجرة من خانيونس ورفح وحدهما من آثار القصف الجوي في عام 2014 والذي استمر لأقل من شهرين، فكم يا ترى يمكن استخلاصه طوال سبعة أشهر من القصف اليومي؟

العقبات الحقيقية

واجهت حماس محاولتين دبرتا لإسقاط حكومتها في غزة، وهذه تهديدات تأخذها على محمل الجد. ولكن المحاولتين فشلتا.

كانت الأولى في يناير (كانون الثاني) عبارة عن محاولة من قبل الاحتلال لتحريض زعماء العشائر على تقسيم غزة إلى مناطق تخضع لحكم القبائل، التي ستتولى شؤون الإدارة المدنية في قطاع غزة من خلال ترتيبات فردية مع إسرائيل.

ولكن قبل وقت طويل من وصولها إلى مستوى وزارة الحرب، فقد رفضتها القبائل ذاتها، والتي بقيت على ولائها لحركة حماس. ولقد عبر عن ذلك عاكف المصري، المفوض العام للسلطة العليا للقبائل الفلسطينية، حين قال في تصريح له: “تسعى دولة الاحتلال إلى التغطية على فشلها في غزة من خلال إثارة البلبلة والصراع داخل المجتمع الفلسطيني”.

ودعا المصري بدلاً من ذلك إلى إنهاء الانقسام السياسي بين حماس وفتح، مشيراً إلى الحاجة إلى قيادة وطنية موحدة “تعمل على تعزيز صمود الشعب وتقطع الطريق على أي فرص قد يستغلها الاحتلال في مخططاته”.

أما المحاولة الثانية فكانت أكثر خطورة. يقال إن الخطة كانت من إعداد الأردن ومصر والمملكة العربية السعودية، وبتنفيذ من قبل ماجد فرج، رئيس جهاز المخابرات في السلطة الفلسطينية – وهو الرجل الذي رشح لاستلام مقاليد الأمور في غزة ما بعد الحرب، رشحه لتلك المهمة كل من وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت وزعيم المعارضة يائير لابيد. غابت من تلك الخطة الإمارات العربية المتحدة التي تفضل دعم رجلها، البارون الفتحاوي المنفي محمد دحلان، وتمكينه من العودة إلى غزة.

اخترق غزة العشرات من عملاء المخابرات التابعين للسلطة الفلسطينية، إذ تمكنوا من التسلل متخفين داخل قوافل المساعدات التي عبرت من الحدود المصرية. تمكنت بعض عناصر هذه المجموعة من الوصول إلى مستشفى الشفاء في مدينة غزة شمالاً، ويقال إنهم وفروا المعلومات الاستخباراتية للقوات الإسرائيلية، ما مهد السبيل نحو شن هجوم على المرفق الطبي. ولكن معظم عناصر المجموعة بقيت في رفح، حيث سعوا إلى إقامة مقر رئيسي لهم داخل بناية جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني.

وبحسب مصدر مطلع نقلت عنه قناة الجزيرة، فقد امتطت عشر فرق، تتكون كل فرقة من عشرة أشخاص، عشر شاحنات في معبر رفح، تحت ستار توصيل المساعدات إلى جمعية الهلال الأحمر.

انكشف وجود عناصر السلطة الفلسطينية في خضم الفوضى التي أحاطت بالشاحنات، وذلك أنه عندما هاجم الفلسطينيون الذين يعانون من المجاعة الشاحنات، فقد شهرت قوات أمن ماجد فرج السلاح في وجوههم. تم فيما بعد اعتقال هذه العناصر من قبل حماس، وخضعوا للاستجواب. تم التعرف على أربعة من الضباط الذين ألقي القبض عليهم، وتبين أنهم دربوا في الأردن، وأرسلوا من قبل السلطة الفلسطينية، وما لبثوا أن أسقط في أيديهم حين واجهوا الواقع الذي تعيشه غزة.

صداع أكبر

كل ذلك يزيد من ثقة حماس أن بإمكانها النجاة ومواجهة أي محاولات أخرى قد تحيكها القوات البرية للاحتلال من أجل إبادتها.

قال أحد المصادر: “ثقتهم مرتفعة بأن لديهم القدرة على المضي قدماً في المقاومة. حاولت إسرائيل استخدام الدمار الذي ألحقته بالقطاع كذراع لإجبار الحركة على الاستسلام. ولكن ذلك الدمار تحول إلى سيف ذي حدين. فقد كشف إسرائيل بشكل غير مسبوق، حتى غدت إسرائيل نفسها الآن في مأزق، وليس حماس. بل إن الدعم الذي تحظى به حماس الآن هو الأعلى منذ أن بدأت الحرب. ولقد بدأ الرئيس الأمريكي جو بايدن يلمس ذلك، وكل هذا يمنح حماس الثقة التي تنعكس على الطريقة التي بها يفاوضون”.

لا يمكن تجنب حقيقة أن المعركة القادمة على رفح سوف تكون سلسلة من المذابح، تتحمل المسـؤولية عنها بموجب القانون الدولي تل أبيب. سوف يكون الثمن البشري مرتفعاً للغاية.

إذا ما فعلت قوات الاحتلال برفح مثل ما فعلته بخانيونس، فسوف تسوى رفح بالأرض. وُصفت خانيونس من قبل بأنها المقر الرئيسي لحماس، ولكن قوات الاحتلال انسحبت بعد ما يزيد على أربعة أشهر من القصف دون أن تحقق شيئاً من حملتها سوى إلحاق الدمار الشامل بالمدينة.

وبعد أن تنال رفح نفس المعاملة، فسوف لن تتمكن تل أبيب من استرجاع الرهائن الذين ما زالوا على قيد الحياة، ولن تتمكن من أسر أو قتل زعماء حماس، وحماس واثقة من ذلك.

وتلك هي النقطة التي أشار إليها باريك في مقاله حين قال: “كما يدرك بيبي أن دخول رفح لن يجلب له شيئاً. بل إن العكس هو الصحيح، حيث إنه سوف يفاقم ذلك من المشكلة عشرات المرات. وسوف نُجبر على مغادرة رفح بعد احتلالها. سوف يؤدي دخولنا إلى رفح إلى تدمير علاقاتنا بشكل كامل مع بلدان العالم ومع البلدان العربية التي صنعنا معها السلام. ولسوف يكون لذلك تداعيات بالغة الصعوبة، وفي مقدمتها عزل دولة إسرائيل في المجالات السياسية والاقتصادية، وفرض حظر على التسليح بدأنا بالفعل في رؤية تباشيره. كما أن دخول رفح لن يبقي أحداً من المختطفين على قيد الحياة، ولسوف يكون لدينا العديد من الضحايا”.

بعد رفح، سوف يصاب نتنياهو بصداع أكبر من ذلك الذي يعاني منه اليوم: فكيف له أن يعلن النصر بينما الهزيمة وشيكة؟

 

عربي 21



تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية 2023