شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

عائلات معتقلين تؤسس رابطة رسمية دولية لإنهاء مأساة السجون

أعلنت عائلات معتقلين سياسيين، من العاصمة البريطانية لندن، تأسيس منظمة قانونية تحمل اسم “رابطة عائلات المعتقلين المصريين” (FEDA)، في خطوة تستهدف توحيد جهود ذوي المعتقلين وتحويل قضيتهم من مبادرات عائلية متفرقة إلى عمل مؤسسي يمتد إلى داخل مصر وخارجها.

وتقول الرابطة، في بيانها التأسيسي الصادر في 13 أغسطس 2026، إن هدفها الأساسي هو وضع حد لـ”مأساة مستمرة منذ 13 عاما”، عبر السعي إلى الإفراج عن المعتقلين السياسيين، وتحسين أوضاعهم داخل السجون، وضمان محاكمات عادلة، وفتح قنوات تحرك أمام الهيئات المحلية والدولية المعنية بحقوق الإنسان والمحتجزين والمختفين قسريا.

وتقول الرابطة الجديدة إنها ستكون ممثلا رسميا لعائلات المعتقلين في تعاملاتها مع الجهات والسلطات والمؤسسات المعنية بأوضاع المحتجزين داخل مصر وخارجها، في محاولة لتجاوز حالة التشتت التي طبعت لسنوات تحركات أسر المعتقلين.

ويأتي تأسيسها في وقت لا تزال فيه السلطات المصرية لا تعلن رقما رسميا لعدد المعتقلين السياسيين، بينما تستند منظمات حقوقية إلى تقديرات تتحدث عن عشرات الآلاف.

وكانت هيومن رايتس ووتش قد قدرت، في تقارير سابقة، عدد من اعتقلتهم السلطات المصرية أو وجهت إليهم اتهامات لأسباب سياسية منذ 2013 بنحو 60 ألف شخص، مع الإشارة إلى أن الرقم تقديري وأن الحكومة المصرية تنفي وجود معتقلين سياسيين بهذا الوصف.

وتسعى FEDA إلى جعل قضية المعتقلين حاضرة بصورة مستمرة في الأجندتين المصرية والدولية، وعدم حصرها في بيانات موسمية أو حملات مرتبطة بقضايا أفراد بعينهم.

وبحسب البيان التأسيسي، لن تقتصر أنشطة الرابطة على الأسر الموجودة في بريطانيا، وإنما ستمتد إلى الأماكن التي توجد فيها عائلات المعتقلين المصريين حول العالم.

وتعتزم الرابطة توسيع عضويتها لتشمل مزيدا من أسر المعتقلين، إلى جانب التواصل مع المؤسسات المصرية والدولية، والشخصيات السياسية والدينية، والمؤثرين في مجالات السياسة والإعلام وحقوق الإنسان.

وتطرح هذه الخطوة تصورا يتجاوز الدعم المعنوي للأسر إلى بناء شبكة ضغط قانونية وسياسية وإعلامية يمكنها متابعة الملفات على أكثر من مستوى.

ومن بين الخطوات التي أعلنتها الرابطة إعداد زيارات إلى الأمم المتحدة والهيئات التابعة لها والمعنية بالمحتجزين وحالات الاختفاء القسري، إلى جانب دراسة التحرك القانوني أمام المحاكم المختصة بشأن الانتهاكات التي يقول المعتقلون وذووهم إنهم تعرضوا لها.

كما تعتزم تنظيم فعاليات عامة للتضامن مع المعتقلين وإبقاء قضيتهم حاضرة أمام الرأي العام.

يمثل غياب رقم رسمي لعدد المعتقلين السياسيين في مصر إحدى أبرز الإشكاليات التي تواجه توثيق الملف. فالحكومة المصرية لا تنشر رقما إجماليا للمعتقلين السياسيين، فيما اعتمدت منظمات حقوقية على عمليات رصد للحالات التي جرى اعتقالها أو محاكمتها في قضايا مرتبطة بالمعارضة السياسية والتظاهر وحرية التعبير.

وفي 2019، رفض الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تقديرات تحدثت عن وجود نحو 60 ألف سجين سياسي، وقال إنه لا يعرف مصدر الرقم، في حين أكدت هيومن رايتس ووتش أن السلطات اعتقلت وحاكمت عشرات الآلاف من المعارضين منذ إطاحة الرئيس الراحل محمد مرسي في 2013.

وبحسب تقديرات حقوقية، فإن الفئة المعنية لا تقتصر على المنتمين إلى تيار سياسي واحد، وإنما تشمل شخصيات وناشطين من اتجاهات سياسية مختلفة، إضافة إلى صحفيين وطلاب وشباب ومدافعين عن حقوق الإنسان.

وتقول الرابطة الجديدة إن من بين المعتقلين أكثر من ألف امرأة، إلى جانب آلاف الطلاب والشباب والنشطاء من مختلف أنحاء البلاد.

لكن من المهم مهنيا التفريق بين التقديرات الحقوقية وبين الأرقام الرسمية، خصوصا في ظل غياب إحصاء حكومي شامل ومحدث.

ا تقتصر قضية المعتقلين، بحسب عائلاتهم والمنظمات الحقوقية، على الحرمان من الحرية. فالبيان التأسيسي للرابطة يتحدث عن مجموعة من الممارسات التي تقول إنها تمس حقوق المعتقلين داخل السجون، بينها ضعف الرعاية الطبية، وسوء التغذية والتهوية، والحرمان من ممارسة الرياضة، وقيود على الزيارات العائلية، والاكتظاظ داخل الزنازين، إضافة إلى القيود المفروضة على الحصول على الكتب والصحف وأجهزة الراديو لمتابعة الأخبار.

وتضع الرابطة الرعاية الصحية في مقدمة الملفات التي تريد متابعتها، مشيرة إلى أن نقص الرعاية الطبية ساهم، بحسب تقديراتها، في وفاة مئات المعتقلين.

وقد وثقت منظمات حقوقية على مدى السنوات الماضية حالات وفاة داخل السجون ومراكز الاحتجاز، وربطت بعضها بظروف الاحتجاز أو عدم توفير الرعاية الطبية الملائمة.

وفي تقرير سابق، قالت هيومن رايتس ووتش إن آلاف المعتقلين السياسيين تعرضوا لمعاملة قاسية، وإن بعض المحتجزين كانوا معرضين لتدهور صحي خطير أو وفاة مبكرة.

وتستند عائلات المعتقلين في جانب من مطالبها إلى الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان التي أطلقتها الحكومة المصرية في سبتمبر/2021. فالوثيقة الحكومية نفسها تتضمن بنودا تتعلق بمعاملة السجناء والمحتجزين، وضمانات المحاكمة العادلة، والحق في الحرية الشخصية، وتحسين الرعاية الصحية داخل المؤسسات العقابية.

كما أعلنت الدولة آنذاك عن توجه لتحديث فلسفة المؤسسات العقابية، وتحويل السجون إلى مراكز للإصلاح والتأهيل، وتعزيز آليات الإفراج الشرطي والعفو الرئاسي.

وتنص الاستراتيجية على السعي إلى تقليل أعداد السجناء عبر الإفراج الدوري، بما في ذلك الإفراج الشرطي والعفو الرئاسي في المناسبات الوطنية، فضلا عن الإفراج عمن أمضوا نصف مدة العقوبة في الحالات التي تستوفي الشروط، وكذلك الإفراج الصحي في حالات الأمراض التي تهدد الحياة أو تؤدي إلى عجز كلي.

كما تشير البيانات الحكومية إلى تنفيذ عمليات إفراج وعفو خلال السنوات التالية لإطلاق الاستراتيجية؛ إذ تقول تقارير رسمية إن أكثر من 19 ألف شخص استفادوا من قرارات العفو الرئاسي والإفراج الشرطي خلال فترة محددة من تنفيذ الاستراتيجية.

لكن عائلات المعتقلين تقول إن هذه الإجراءات لم تُنهِ أزمة السجون السياسية، وإنها لم تصل إلى معالجة أصل المشكلة، المتمثل ـ بحسب وصفها ـ في استمرار توقيف أشخاص على خلفية نشاطهم السياسي أو تعبيرهم عن آرائهم.
هنا تضع الرابطة أحد أبرز مطالبها: تحويل النصوص الرسمية إلى إجراءات ملموسة. فمن وجهة نظر الأسر، لا تكفي إعادة تسمية السجون “مراكز إصلاح وتأهيل”، أو إصدار قوانين تتحدث عن تحسين ظروف الاحتجاز، إذا بقيت حالات الاعتقال السياسي والمحاكمات المطولة والاحتجاز السابق للمحاكمة قائمة.

وتقول الاستراتيجية الحكومية نفسها إن من أهدافها تقليل كثافة السجون وتحسين مستويات المعيشة والرعاية الصحية للمحتجزين، كما تتحدث عن برامج لإعادة التأهيل والإدماج في المجتمع.

لكن الفجوة بين ما تنص عليه الوثائق الرسمية وما تقوله عائلات المعتقلين ومنظمات حقوق الإنسان تظل واحدة من أكثر النقاط إثارة للجدل في الملف المصري.

وتؤكد الرابطة في بيانها أنها لا تضع هدفها في إطار المواجهة فقط، بل تقول إنها مستعدة للعمل مع “أي طرف يمكنه المساهمة في إغلاق هذا الفصل المؤلم” وتأمين الإفراج عن المعتقلين السياسيين.

وهذه العبارة تترك الباب مفتوحا أمام تحرك سياسي أو تفاوضي إلى جانب التحرك الحقوقي والقانوني. فالمطلب الأساسي، بحسب الرابطة، ليس فقط توثيق الانتهاكات، وإنما الوصول إلى نتيجة عملية: إخراج المعتقلين من السجون وإنهاء مأساة استمرت 13 عاما.

وهذا يتقاطع مع دعوات سابقة من قوى سياسية وحقوقية إلى إطلاق سراح المعتقلين باعتبار ذلك خطوة أساسية نحو مصالحة وطنية أوسع وإنهاء حالة الاستقطاب السياسي والأمني التي تعيشها البلاد منذ 2013.

وتتجاوز قضية المعتقلين في مصر الجانب الحقوقي البحت إلى كونها أحد الملفات المركزية في مستقبل العلاقة بين الدولة والمعارضة. فالإفراج عن المعتقلين السياسيين كان حاضرا في مبادرات سياسية عدة، كما ارتبط بملف الحوار الوطني الذي أطلقته السلطات المصرية خلال السنوات الأخيرة.

وفي المقابل، ترى منظمات حقوقية أن استمرار الاحتجاز والمحاكمات في قضايا سياسية يقوض أي حديث عن انفتاح سياسي حقيقي.

وتشير التجربة السابقة إلى أن السلطات المصرية اتخذت بالفعل إجراءات عفو وإفراج عن آلاف الأشخاص، فيما ظل حقوقيون يؤكدون أن أعدادا أخرى تدخل السجون بصورة مستمرة، وأن الإفراجات لم تنهِ ظاهرة الاحتجاز المرتبط بالمعارضة.

ولهذا فإن المعركة بالنسبة لعائلات المعتقلين ليست فقط حول من يخرج اليوم، وإنما حول كيفية منع إعادة إنتاج المشكلة غدا.

وتحاول FEDA، من خلال بنيتها الجديدة، نقل العائلات من موقع المتلقي للقرارات إلى موقع الفاعل والمنظم والموثق. فالعائلة التي كان دورها غالبا يقتصر على البحث عن محام، أو زيارة سجن، أو تقديم طلب إفراج، يمكن ـ وفق الرؤية التي تعلنها الرابطة ـ أن تصبح جزءا من شبكة أكبر تملك القدرة على التواصل مع البرلمانات والمؤسسات الدولية والمنظمات الحقوقية والإعلام.

كما أن توحيد الجهود قد يسمح ببناء قاعدة بيانات أكثر اتساعا بشأن المعتقلين، تتضمن أماكن الاحتجاز، وطبيعة الاتهامات، وأوضاع المحاكمات، والحالة الصحية، ومواعيد التجديد والإفراج المحتملة.

وفي بلد لا تنشر فيه السلطات رقما شاملا للمعتقلين السياسيين، فإن التوثيق المستقل يصبح بحد ذاته أداة سياسية وحقوقية مهمة.

لكن الطريق أمام الجمعية ليس سهلا. فالقانون المصري ينظم عمل الجمعيات الأهلية في إطار شديد الحساسية بالنسبة إلى النشاط الحقوقي والسياسي، وقد وثقت هيومن رايتس ووتش خلال السنوات الماضية قيودا على عمل منظمات المجتمع المدني، بما في ذلك القيود المتعلقة بالبحث الميداني والتمويل والتعاون مع الجهات الأجنبية.

ومن خارج مصر، ستواجه الرابطة تحديا مختلفا: كيف تحافظ على تمثيلها لأكبر عدد ممكن من العائلات، وكيف تتحقق من المعلومات التي تتلقاها، وكيف توازن بين التحرك الإعلامي وبين حماية الأسر والمعتقلين أنفسهم من أي تبعات محتملة.

كما أن فتح ملفات قضائية دولية يتطلب أدلة موثقة ومسارات قانونية محددة، وليس مجرد شهادات أو بيانات سياسية.

ولذلك فإن نجاح FEDA لن يقاس فقط بعدد أعضائها، وإنما بقدرتها على تحويل معاناة الأسر إلى ملفات موثقة قابلة للتحرك القانوني والسياسي الدولي.

ويحمل تأسيس الرابطة رسالة سياسية أوسع أيضا. فعائلات المعتقلين تقول إن الإفراج عن السجناء السياسيين يمكن أن يكون مدخلا إلى مصالحة وطنية تنهي أكثر من عقد من الصراع.

وهذا يضع الملف في قلب السؤال المتعلق بمستقبل مصر السياسي: هل يمكن إنهاء حالة الاستقطاب التي بدأت بعد 2013 من خلال تسوية سياسية وحقوقية تشمل المعتقلين؟ أم أن الإفراجات ستظل جزئية وموسمية، فيما تستمر الاعتقالات والمحاكمات في إنتاج ملفات جديدة؟

من جهتها، تقول الحكومة المصرية إن السنوات الأخيرة شهدت تطورا في ملف حقوق الإنسان، وتستشهد بالاستراتيجية الوطنية، وتعديل قوانين السجون، وتطوير مراكز الإصلاح والتأهيل، وزيادة أعداد المستفيدين من العفو والإفراج الشرطي.

لكن العائلات التي أسست الرابطة تقول إن المعيار الحقيقي هو ما يحدث للمعتقل داخل الزنزانة، وليس ما تقوله الوثائق الرسمية.

ويأتي تأسيس رابطة عائلات المعتقلين المصريين ليضيف لاعبا جديدا إلى المشهد الحقوقي والسياسي المرتبط بملف السجون المصرية. فبعد سنوات من الحملات الفردية والبيانات الحقوقية، تريد العائلات أن يكون لها عنوان مؤسسي قادر على مخاطبة السلطات المصرية، والمنظمات الدولية، والأمم المتحدة، والبرلمانات، ووسائل الإعلام، والمحاكم المختصة.

وإذا تمكنت الرابطة من جمع عدد واسع من الأسر، وتوثيق الحالات بصورة مهنية، وتوفير الدعم القانوني، وبناء علاقات مع المؤسسات الدولية، فقد تتحول إلى منصة مؤثرة في واحد من أكثر الملفات حساسية في مصر.

أما الاختبار الأكبر، فيبقى في مدى قدرة هذه الجهود على الانتقال من التضامن مع المعتقلين إلى تحقيق الإفراج عنهم، ومن المطالبة بتحسين ظروف الاحتجاز إلى إنهاء الأسباب السياسية والقانونية التي تقول العائلات إنها أبقت آلاف المصريين خلف القضبان.

وبعد 13 عاما من الأزمة، تبدو الرسالة التي اختارت الرابطة أن تبدأ بها عملها واضحة: لا تريد العائلات أن تبقى قضية المعتقلين مجموعة من القصص المنفصلة، بل ملفا وطنيا ودوليا منظما، له ممثلون وأدوات قانونية وسياسية، وهدف نهائي معلن هو إغلاق هذا الفصل والإفراج عن المحتجزين.



تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية 2023